ابراهيم بن عبد الرحمن بن أبي بكر الأزرق

128

تسهيل المنافع في الطب والحكمة

ذكره الإمام البغوي في التنبيه ، انتهى لفظه . وقال في اللفظ : وينبغي لمن تعشى أن يمشي بعد العشاء خطوات لينزل الغذاء إلى قعر المعدة ، ثم يصبر بقدر ما ينزل وينحط عن المعدة ؛ لئلا يغلب على الحرارة فيطفئها ، ثم يعرض نفسه على الخلاء ، فقد قال أفلاطون : من عرض نفسه على الخلاء قبل النوم قام له حسن صورته ، وإذا كان في يده غمرة أزاله بالغسل ، فقد قال صلى اللّه عليه وسلم : ( إذا بات أحدكم وفي يده غمر فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه ) ، قلت : والغمر الدسم ، والغمر ريح اللحم كما قاله في شرح التنبيه ، وقال أيضا : الغمر بالتحريك يعني بتحريك الميم هو ريح اللحم والسمك ، قد غمرت يدي في اللحم فهي غمرة زهمة كما يقول من السمك سمكة ، هذا لفظه في الصحاح ، واللّه أعلم . وقال بعضهم : النوم بعد الطعام يغذي ويقوي ؛ لأن الإنسان إذا نام برد ظاهر بدنه واجتمعت الحرارة الغريزية المنتشرة في البدن كله إلى المعدة وما والاها ، فتقوى حينئذ المعدة على إنضاج الطعام وهضمه ويخلو البدن من الخدمة وتذهب القوة النفسانية لراحتها ، ولهذا فضلوا العشاء على الغداء ؛ لأن الغداء يستقبل النهار وحده مع شغل الحواس والنفس لما يسمعه الإنسان ويفكر فيه ، وربما يحاول بجسمه من التعب والحركة فتنشر لذلك الحرارة الغريزية في ظاهر البدن فتضعف المعدة لذلك عن هضم الطعام ، وأما العشاء فإنه بخلاف ذلك لأنه يستقبل سكون البدن وهدوء الحواس والنفس ، وهجوم الليل البارد الذي تهرب الحرارة الغريزية منه إلى داخل البدن ، انتهى ما ذكره صاحب كتاب السياسة في تدبير الرياسة . وقال في اللفظ أيضا : وأجود النوم ثمان ساعات في وسط الليل ، فإن كان الغذاء غليظا زاد في النوم ، وقال بعضهم : عود نفسك القعود في أول الليل ساعتين وفي آخره ساعتين ، ولا تدافع النوم إذا حضرك ولا تتكلفه إذا لم يحضرك ، وينبغي ألا ينام في القمر فإنه يحيل الألوان إلى الصفرة ويثقل الرؤوس ، وإن كان الزمان صيفا فالقيلولة مستحبة ، قلت : ومفهوم كلامه القيلولة لا تستحب في الشتاء ، وذلك لطول ليله وقصر نهاره ، ففي ليله من الطول واستيفاء النوم ما يستغني عن القيلولة بخلاف الصيف ، واللّه